أمّ الغُربة، كُليني
ملاك منصور: “أسعى إلى فهم العالم، وإلى التواصل بسرّة الأم الكبرى. ولهذا أستعين بمواد غير مألوفة، وبلغة مختلفة، وأرغب في أن يعيش المشاهد التجربة نفسها التي أعيشها.”
تستحضر ملاك منصور كنوزًا بصرية من أعماق اللاوعي، ومن عوالم داخلية، شخصية، وأركيتيبية، وإنسانية؛ عوالم مركّبة تكتنفها أسرار وألغاز أنثوية وإنسانية، قديمة قِدم العالم، وما تزال راهنة حتى يومنا هذا.
في مجسم مركّب، يتدلّى من السقف، ما يشبه تشابك جذور شجرة عتيقة، أو قنديل بحر رخو الأذرع، مشكلا قبّة او فراغا بحجم الإنسان تحيط بالمشاهد، تحميه وتهدّده في آن. هذا الكيان البدئي ما بين معبد أو ملاذ، (ليس بالمعنى الطقوسي أو الديني)، بل بالمعنى الحسي-العاطفيّ. إنّه هيكل الحكمة الكونية هيكل يحتويك ويهَيمن على عالم من العناصر الصغيرة، داخلَه وخارجَه.
تجسد ملاك عالمها هذا بوصفه مجرّة مصغّرة؛ تبرز مكوّناتها المختلفة وتدفعها إلى أقصى حضورها، فيما تبدو علاقات الاعتماد المتبادل بينها مشحونة ومتوترة، مثقلة بروابط الانتماء من جهة، وبالرغبة في الانفصال من جهة أخرى. إنّها علاقات سيطرة، يقابلها ميل إلى التحرّر والاستقلال. تتجلّى هذه العلاقات أيضًا في فروق الأحجام، وفي ثنائيات المركز والهامش، والقريب والبعيد، والمقروء والمشوَّش، وفي عناصر بصرية أخرى، مادية ونصّية.
حتى وإن بدت العناصر مستقلّة وقائمة بذاتها، فإنها تظلّ مرتبطة إلى الأبد بالعنصر الكبير القائم في مركز الحيّز (الأم الكبرى، الطبيعة الأم، الرحم الكوني). صحيح أنّ هذا عالم تكوّنت تفاصيله منفصلة بعضها عن بعض، إلا أنّها جميعًا تقع داخل فلك العنصر الأم الذي يحتلّ مركز الحيّز.
هذا العالم المتنوّع من الصور هو عالم مجازي، لأنه يوازي وجودًا حقيقيًا في حضن الأم، والعائلة، والمجتمع. تسعى ملاك إلى الإشارة إلى هذا الوجود، ونقده، وإقامة عالم بديل مكانه، هو عالم الطبيعة الأم: حضن إيجابي، داعم، بنّاء ومُمكِّن، لا حضنًا يقزم ويجمّد.
يُقاد المشاهد إلى داخل القبّة الكبيرة، حيث قد يشعر بدفء الرحم البدئي، المحتضن، الحامي، الرحيم. وفي الوقت نفسه، يجد نفسه أيضًا طريدةً عالقة في داخله. وفي كلتا الحالتين، ينظر إلى العالم المحيط به كما ينظر رضيعٌ واعٍ إلى ما يحيط به؛ يختبر الغموض، ويواجه ما يبدو عصيًّا على الفهم.
تتجلّى أمام عينيه إشارات ورموز من كل اتجاه: أرجل بومة، ميزان، هيئات بشرية مشوّهة، رسومات سوريالية بالأبيض والأسود، أعضاء داخلية، ومواد غريبة وغير مألوفة، تجعل من هذه التجربة حدثًا ملغزًا ومثيرًا للتحدّي. وما تبدعه الفنانة يشبه عمل الخيميائي، العارف بأسرار المواد، وبأسرار العالم.
يجد المشاهد نفسه في مواجهة هذا الواقع، وفي مواجهة ما ينكشف له عبر الفتحات الممتدة بين الجذور: صور، وعناصر، ورسومات، ونصوص، وشظايا تنتشر خارج هذا الكوكب، في الفضاء المفتوح. وحتى الحيّز المحايد الذي يحتضن العمل يصبح جزءًا من هذا التركيب؛ فالعمل يندمج في المكان، وكل بروزٍ فيه، وكل عنصرٍ من عناصره، يشكّل جزءًا من طبقاته المتعددة، ومن هذا الكون بأسره.
المعرض، بكلّيته، هو ثمرة مسار متواصل ومتطوّر، تحاول ملاك من خلاله أن تصف العالم من زاوية مفاجئة، شخصية، نسوية، وأصيلة. إنّها محاولة للتحرّر من صورة الأم الكلاسيكية، وقبل كل شيء، من الطريقة المألوفة في تفكيك العالم، وتأويله.
يُدعى المشاهد إلى أن يصبح جلدا من جسدها ودمًا من دمها؛ أن يدخل إلى عالمها، وأن يغدو عضوًا من أعضائها، وأن يقيم معها حوارًا بصريًا، وجدانيًا وذهنيًا، وأن يصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانها.
القيّم: أسد عزي
