الحُروفيّون فنّانون خطّاطون
فريد أبو شقرة
يعاني الفنّان الخطّاط من التباسات في موقعه ضمن سلّم المراتب الفنّية التي سادت منذ ثورة الفنّ الحديث، بوصفها قيمًا فنّية عامّة وشبه مطلقة. ونقع في الالتباس، أيضًا، كلّما حاولنا تحديد المجال أو الحيّز الذي تنتمي إليه اللوحة أو العمل الفنّيّ، سواء أكان ذلك الحيّز متحفًا أم صالة عرض أم جدار منزل أم دفّتَيْ كتاب. وممّا يزيد هذا الوضع التباسًا وجود نوع من التقدير الغامض، أو ما يشبه الاحترام، أو لنقل وجود حبٍّ غامض يستيقظ بين حين وآخر ليشهد للخطّ بأنّه فنّ أصيل، دافعًا بالخطّاط وبعض الجمهور والمؤسّسات إلى التعامل مع الخطّ ممارسةً وتذوّقًا، أو فنًّا آتيًا بأصدائه من الماضي.
ولم تسمح المؤسّسات للخطّاط وللفنّان الحُروفيّ بالتطوّر، كما لم تُعنَ بدراسة أعمالهما وتطوّراتهما الفكرية والعملية. فمتى شاهدنا معرِضًا لفنّان خطّاط في صالة عرض خلال السنوات العشر الأخيرة؟ ومتى شاهدنا متحفًا يعرض أعمال خطّاطين في البلاد خلال الثلاثين سنة الأخيرة، ولربّما أكثر من ذلك بكثير؟ إنّ هذا الإهمال من جانب المؤسّسة الثقافية يدفع الفنّان إلى الإحباط الفكريّ والمعنويّ، ويضعه في موقع لا ينهض بالفنّان ولا بفنّه، ولا يقدّم الخطّ بوصفه موضوعًا أو مدرسةً أو رسالة.
يبحث الفنّان عن أساليب ومفردات توصله إلى المشاهد، بل وتوثّق العلاقة بين العمل والمتلقّي. وقد اعتدنا تلقّي الأعمال الخطّية بخطوطها وحروفها المعقّدة، وأولعنا الفنّان الخطّاط بقدرته على تطويع الحرف، بغضّ النظر عمّا إذا كانت نصوصه مفهومة أم غير مفهومة. فعبقرية الخطّاط وإتقانه أساليب الخطّ ومدارسه يمنحانِ العين شعورًا بالقناعة والسكينة أمام العمل. أمّا الفنّان الحُروفيّ فإنّه يستخدم الخطّ وسيلةً لترجمة نصوصه وما يريد إيصاله إلى المشاهد. وبرأيي، إنّ نجاح الفنّان الحُروفيّ يكمن في إتقانه مدارس الخطّ العربيّ، إضافة إلى ثقافته في مدارس الفنون التشكيلية. ولا يمكن أن يكون فنّانًا مبدعًا إذا لم يعمل على تثقيف نفسه والإلمام العميق بكلا المجالين.
إنّ أحد أوجه الخسارة التي يعاني منها فنّ الخطّ العربيّ هو فقدان ذلك النظام الفريد في تاريخ الفنون، الذي كان ينظّم مسيرة المتعلّم منذ اللحظة التي يقف فيها مريد الخطّ على باب الخطّاط، وحتّى اللحظة التي يُغمض فيها المتأمّل عينيه ليصغي إلى ما يختزنه الخطّ من معانٍ ولطائف. كما فُقد ذلك النظام الذي كان يقوم على التدريب والتدرّج والإصغاء والامتثال والاقتداء والتفرّغ والممارسة والمتابعة، إلى جانب منظومة من المبادئ والقوانين التي كانت تنظّم العلاقة بين المعلّم والمريد، وبين المعلّم وشيوخ الصنعة والحرفة من جهة، وبين المحترف والسلطة من جهة أخرى.
