لا أستطيع أن أقول إلا من خلال أنفي | معرض جماعي
لا أستطيع أن أقول إلا من خلال أنفي | معرض جماعي
لا أستطيع أن أقول إلا من خلال أنفي
قد تشكل الروائح حافزّا شديد القوة للتعامل مع التاريخ من جوانب عاطفية، فهي تثير فينا الذكريات، العواطف والتجارب التي تربطنا في الماضي، البيئة والثقافة التي نعيش فيها. مع ذلك، الروائح ليست معروفة في تعريف التراث الثقافي غير الحسي من قبل منظمة اليونسكو، وعالم الرائحة يكاد لا يذكر أو يوثّق.
عندما نتحدث عن الهويّة، فنحن نبدأ بشم صور الماضي، قصص العائلة والتاريخ المكتوب. التواصل من جديد مع تراث وهوية المجتمع الذي نعيش فيه يساعد المجتمع ليس فقط على تذكر الماضي، بل أيضًا فهم التجربة والعلاقات مع الماضي المشترك.
يجمع معرض لا أستطيع أن أقول إلا من خلال أنفي بين خمس معارض فردية تشكلت في إطار برنامج “وادي – دفيئة لتعزيز فنّانات شابات من المجتمع العربي”، بمبادرة صالة العرض للفنون أم الفحم. من بين المشاركات فنّانات مسلمات، مسيحيات ودرزيات. كل واحد منهم اختارت أن تتحدث بطريقة عاطفية عن تراث وهوية المجتمع الذي تنتمي إليه، بين الروائح والذكريات. التحدي هنا هو الاستعانة بحاسة الشم لرواية القصة من منطلق كيف لروائح قديمة، تتعلق بالمكان، العادات والطقوس، أن توجهنا نحو هويتنا الثقافية؟
بمقدور الفن أن يكشف لنا ويكرس الروائح المحيطة بنا، التي ننكشف عليها في روتين حياتنا اليومية. القهوة السادة، الملح والفحم، حليب الماعز، الزفن، دخان البخور وحتى الصابون – كلها أنواع مختلفة من الروائح التي اختارت الفنّانات استخدامها كوسيط فنّيّ للحديث عن ثقافتهن وهويتهن في المجتمع العربي.
روزان بطحيش تطبع بصمة القهوة على لوحاتها التجريدية المليئة بالعاطفة والتي تتنال “ألانا الباطني” لديها، بوحي تقاليد جدها مع طقوس اعداد القهوة السادة؛ إرم اغبارية تتناول منظومة علاقات دينامية بين ذكريات طفولتها، المؤشرة بتجربة متكررة من العنف في طريقها إلى البيت من المدرسة، وبين الرائحة المألوفة لصابون الأواني السائل الذي يستخدم لنظافة المنزل. سهيلة أبو هدية منيّر تستعيد رائحة البحر والحنين لبيت جدتها في يافا والتي عرفتها من أرشيف صور العائلة، بمساعدة ستائر مصنوعة من صب الملح والنقش شمع على صب فحم، كتعبير عن الشمعدان الذي يرافق العائلة على مدار السنين؛ بلدان مرعي تجتاز الحدود بمساعدة الروائح. تشخيص رائحة الحدث الصادم الذي اختبره والدها عندما كان صبيا، ووصف التجربة بواسطة الروائح، يساعد على التواصل ورواية ما حدث؛ لؤي تميم جبارة تشبّه على نحو مجازي عمل خطيبها، الذي يعمل في تجديد الشوارع في البلاد، بفترة الخطوبة في المجتمع العربي – رائحة البخار، الحدود والشوارع التي تفصل بينهما هي أيضًا التي تعبد طريقهما إلى مستقبل مشترك.
خمس فنّانات شابات عربيات يتقصين بشكل دلالة الرائحة إضافة إلى الجانب العملي له. بمساعدة استخراج الروائح من أرشيف العائلة / المجتمعي تتشكل أعمالًا تستند على الرائحة كوسيط فنّيّ يساعدنا على التخيل، ومنح الأجيال قصصًا ومهارات الحرف اليدوية، وعرض تقاليد مختلفة من اللغة، اللهجات والقصص الشعبية، التي تشكل جزءًا من مركبات التراث الغير الملموس، المهم بلورة هوية المجتمع الذي نعيش فيه.
ندعكم وندعوكم إلى رحلة مثيرة من التحيات، للإحساس بالنطاق بين العين التي ترى الشيء والرائحة التي تعبق منه، والتي كانت أيضًا مصدر الهام لسرد شخصي وجماعي على حد سواء؟
يفعات – سارة بيرل, مشرفة فنية
ضوء خفيف
سهيلة أبو هدبة منيّر
تستخدم سهيلة أبو هدبة منيّر أرشيف صور العائلة وأغراض من بيت جدتها بغية استعادة ذكريات من بيت العائلة الكبير في يافا حيث عاشت جدتها في السنوات 1938-1945 حتى تزوجت. أبو هدية منيّر لم تكن أبدًا في ذلك البيت، فقد تغيّر بشكل كليّ ولم يعد ملكًا للعائلة، لكن حضوره القوي في الأغراض الباقية منه وفي قصص العائلة ترك بصماته الراسخة عليها.
في معرضها الحالي تستخدم أبو هدبة منيّر الذكريات من أرشيف العائلة كذكرياتها الشخصية. عن طريق التعامل مع الصور والمواد تحوّل الذكريات الجماعية للعائلة إلى ذكريات شخصية، وكأنها كانت حاضرة في البيت نفسه.
الفحم والملح مواد رئيسية في المعرض. المادتان – الأسود والأبيض – تستخدم قبل كل شيء لاستعادة نموذج البلاط الذي يشبه الشطرنج في البيت في يافا، والتي طبعت عليها صور العائلة مثل صور في فيلم وثائقي.
الفحم يرمز إلى الضوء وإلى العلاقة الخاصة بين أبو هدبة منيّر وجدتها، اللتين تتشاركان الغرض نفسه. الاسم سهيلة يعني النجم الصغير، اللامع المضيء في أشعة الشمس. تقول الفنّانة أن جدتها اعتادت إضاءة شمعة كلما كانت تنظر خبرًا أو بشائر سارة. يتم التعبير عن أهمية الضوء في حياتهن بواسطة لوحة ثلاثية لشمعدان، مثلما شوهد في صور من البيت القديم في يافا والموجود حاليًا في بيت جدتها في اللد. هذه اللوحات التي ولدت من قصص جدتها نُقشت على أساس من الفحم وألوان زيتية على خشب.
رائحة البحر التي تعبق في بيت الجدة في يافا هو عنصر قوي في حفظ ذاكرة المكان. في عمل تركيبي أخر، “يمكنني أن أشهاد ذلك من خلف نافذتي”، تستخدم أبو هدية منيّر عشرة كيلوغرام من الملح على قماش الكتان للتعبير عن الإحساس بالبحر والضوء الذي يتغلل إلى البيت في يافا من الشباك.
سهيلة أو هدبة منيّر، (ولدت سنة 2001)، طالبة سنة رابعة في قسم الفنون، بتسالئيل أكاديمية الفن والتصميم، القدس.
هي وهو
لؤي جبارة
“هي وهو” هو اسم المعرض الذي يرمز للعلاقات بين الزوجين خلال فترة الخطوبة في المجتمع العربي. لؤى جبارة تصف من ناحية التواصل بين الزوجين ومن الناحية الثانية الحدود بينهما، عن طريقة القيس وتأشير الشوارع التي يعمل بهما خطيبها خالد. “هي” من الطيبة و”هو” من القدس. كل غرض في المعرض يرمز إلى جانب آخر يتعلق بفترة الخطوبة الذي يعيشانه معًا في هذه الأيام، بينما تربط الشوارع بينهما وتمهد لهما الطريق إلى مستقبل مشترك.
المجاز هو أداة قوة خاصة في محاولة فهم الأمور الجديدة، فهو يسمح بمعايشة شيء ما بمفاهيم شيء آخر، من أجل فهم أكثر للعالم (Lakoff and Johnson, 1980). عن طريق التعامل مع العلاقة الآخذة بالتوثق والتغيّرات المتوقعة في حياتهما، وعن طريق دراسة مفاهيم قياس , مسح وتعبيد الشوارع، تتعلم لؤى التعرف على خطيبها وفهم العلاقة المتشكلة بينهما.
عبر صور الشوارع بالإمكان مشاهدة مختلف طبقات الشارع – الطبقات السطحية والطبقات الأعمق. قطعتين من الشارع ترمزان إلى دبلة الزواج والعلاقة المتشكلة بينهما. الخط الأصفر في الصور يرمز إلى الحدود والقيود القائمة في الشوارع وكذلك في تقاليد الخطوبة والزواج.
رائحة الزفتة والشارع محفوظة في مرطبانات صغيرة تحتوي على غبار من عملية قشط الشوارع. المرطبانات نفسها تذكرنا بالبخور المستخدم عادة في الأعراس و”علبة الرائحة المعطرة” التي تنشر العطر في بيت الزوجان الفتيان الجديد. على كل مرطبان طبعت أغنية حب من أغاني الاحتفالات والأعراس. توصل جبارة بين الأغراض التي تستخدمها وبين المجاز وتجمعها في كولاج مع تطريز تقليدي يشير إلى سيرورات العرس الفلسطيني.
لؤى جبارة، (ولدت سنة 2000)، لقب أول بالفنون التشكيلية كلية بيت بيرل
راعي الماعز
بلدان مرعي
وُلدت بلودان مرعي لعائلة درزية في هضبة الجولان التي قدمت من سوريا بعد حرب الأيام الستة. والدها لم يلتحق بالمدرسة ولم يتعلم القراءة والكتابة، وكان يساعد في إعالة العائلة والرعاية بالماعز.في سن الرابعة عشرة كان يرعى القطيع مع شقيقه الصغير، عندما انفجر لغم أرضي بالماعز. في أعقاب الانفجار أصيب هو وشقيقه بأضرار جسدية ونفسية قاسية واضطرا إلى العلاج بالمستشفى لفترة طويلة. منذ تلك اللحظة وحتى اليوم وهو يعاني من متلازمة الإجهاد بعد الصدمة.
كذلك بلودان مرعي نشأت مع قطيع ماعز العائلة، وكانت هي وشقيقاتها يرعيان ويهتمان بالماعز. تحكي قصة مرعي في معرضها، طفولة والدها حين كان يرعى الماعز وكذلك طفولتها هي مع الماعز، بواسطة الحس والرائحة.
جدار الغرافيت “ابن الحِمى”، المصنوع من الفحم الأسود، هو عمل مشترك لمرعي ووالدها، والذي تشكل بفضل العلاقة الخلاقة والشافية بينهما. الحمى هو المكان الدائم الذي اعتاد والد مرعي رعي أغنامه فيه. بينما راعيان اثنان شريكان في علاقة بين الأجيال، والأب وابنته يستعيدان معًا بعيون مغمضة التجارب المؤلمة للأب والصدمة التي يثيرها فيه ذلك المكان. عن طريق ذاكرة الرائحة والتشويش ينقشان بالكلمات مثل رائحة الألم، رائحة الدم، رائحة الغبار.
تعبر مرعي عن تحرير الألم والصدمة في عملي فيديو آرت: الأول “وقف إطلاق النار” – حيث تصف عملية معالجة جلد الماعز، التي تتطلب تكرار عملية القشط والفرك من أجل إزالة البقايا والرائحة القوية والمزعجة للجلد ؛ الثاني، “بدون صلاة” – حيث تقوم مرعي بغسل ملابس عمل والدها بحليب الماعز. الحليب الأبيض وطاهر، لكن لا ينظف الملابس. رائحته القوية والحيوانية تناقض الرائحة المنعشة والنظيفة التي تميز الغسيل. تسعى مرعي إلى محو الصدمة وإزالتها من خلال عملية الغسيل.
في سلسلة بورتريهات قطيع الماعز (فحم، قلم رصاص وقلم أسود)، تبدو الماعز ثاقبة النظر، تنبت من الذاكرة، من المكان الذي ترعرعت فيه (الوليمة)، وهكذا، عبر شهادة بسيطة، تستحضر قصة حياة الأب وتكشف لنا الانكسار، الألم والشفاء.
بلودان مرعي، (ولدت سنة 1999)، لقب أول بالفنون كلية اورانيم
بصمة سادة
روزان بطحيش
تمتد سلسلة لوحات روزان بطحيش التجريدية أمامنا بطبقات ملونة، مصنوعة من ضربات الفرشاة الناعمة والشفافة، بأشكال وخطوط عشوائية، التي تجعل المشاهد يتحرك بين البعد العاطفي والعقلاني، بين النظام والفوضى، بين الليونة والخشونة.
بطحيش، أم جديدة وفنّانة في بداية مشوارها، انهت دراستها لدرجة الماجستير في موضوع العلاج بالفنون، واكتسبت من دراستها تبصرات جديدة حول قوة الفن بملامستنا، التدخل في حياتنا، بل والتأثير ايجابيًا علينا.
يقدم المعرض الحالي لأول مرة سلسلة لوحات تجريدية لبطحيش وكأنها ألصقت معًا كخريطة ملاحة للتواجد في فضاء حياتها الجديد.
تعمل بطحيش خلال عملية الرسم دون تخطيط مسبق أو تفكير، فهي “تمكث داخل اللوحة”. بمساعدة عملية الرسم تشحذ وتوضح لنفسها تجارب وعمليات مرت بها في بيئتها الجديدة. يبدأ المكوث بوضع طبقة أولى من “القهوة السادة” على الورق – قهوة مرة نظيفة، خالية من السكر. بصمة إصبع السادة تستخدم كقاعدة للغة تصويرية محايدة، التي تتيح إضافة طبقات من اللون على شكل حدسي وعفوي حتى تشكيل صورة ملونة ومتفائلة، التي تميز الحياة الحالية في مرحلة من البدايات الجديدة ونظرة تصبو إلى المستقبل.
الرائحة هي بعد مثير يثري التجربة الحسية. رائحة القهوة تهيمن على اللوحات، التي تعرض موتيڨات من عوالم النبات. جد الفنّانة كان مسؤولًا عن طقوس اعداد القهوة السادة – الطقس التقليدي الذي يستمر عدة ساعات في المناسبات الخاصة أو في بيوت العزاء في المجتمع العربي.
تشير بطحيش إلى ذاكرة الجد والتعامل مع رحيله في لوحة “نافذة جدي”، التي تعكس المنظر الريفي خلف نافذة الغرفة التي كان يرقد فيها الجد المريض لمدة خمس سنوات حتى يوم وفاته. هذه اللوحة هي بتأثير بصمات اصبع القهوة، المتداخلة في الذكريات، الروائح، الأطعمة والعواطف التي توقظها حواس بطحيش وتساعدها على الغوص عميقًا داخل اللوحة.
روزان بطحيش، (ولدت سنة 1995)، لقب ثاني في العلاج بالفنون كلية تل حي ولقب أول بالفنون وشهادة تدريس كلية اورانيم.
عصب شمي
إرم اغبارية
معرض إرم إغبارية الفردي يتناول منظومة علاقات دينامية بين ذكريات طفولتها، المشار إليها في تجربة متكررة من العنف في طريقها إلى البيت من المدرسة، وبين الرائحة المألوفة لصابون الأواني السائل، الذي يستخدم لنظافة المنزل. يتقصى هذا المعرض اللعبة التبادلية المثيرة بين هذه الذكريات وبين الغرض الاستعمالي – الصابون. الصابون السائل ينظف كل شيء، مثل السحر، لكن يتم تشويشه عبر عملية النفخ التي تقوم بها اغبارية. بواسطة عملية فنّيّة فريدة تتعلق بتطيير فقاعات الصابون بواسطة قشة، تقوم اغبارية بنفخ فقاعات الصابون التي تنسكب وتتمازج على مسطح اللون الأسود فوق القماش. بعد جفاف الفقاعات يتم أيضًا امتصاص اللون الأسود ليظهر شكل تجريدي، وتتحول الفقاعات إلى لوحة.
الفنّانة قادرة على اثارة العواطف والذكريات، مثل العصب الشمي في دماغنا، المنطقة في الدماغ حيث تتم المعالجة الأولية التي تتيح لنا التمييز بين تشكيلة هائلة من الروائح. اللقاء مع فقاعات الصابون هو عمليا لقاء أولى مع الرائحة، حيث تقوم الفنّانة بمعالجة الرائحة كمادة خام للرسم، وبمساعدتها تعمل على توجيه تجاربها داخل اللوحة بحثًا عن الشعور بالأمن.
كما يستخدم الفنّانون اللون، الأشكال والنسيج من أجل نقل المعنى، فإن عصب شمي اغبارية ينقل المعنى إلى أزمنة وأمكنة اختبرت فيها الصدمة في طفولتها، وذلك بواسطة ايحاءات رائحة الصابون والأواني. انها تجربة متعددة الحواس التي تدمج حاسة النظر وحاسة الرائحة. المسطح كحيّز يتيح حدوث وقائع ذات قوانين خاصة بها، والتي تملي الشكل. سيرورة العمل الفنّيّ هذه تثير أسئلة حول عدم اليقين والسيطرة، وتعزز شعور التوقع والفضول.
تبدأ أعمال اغبارية من نقطة بداية واضحة لكنها تبقى مفتوحة في نهايتها. الضبابية هذه تثير رد فعل عاطفي وقوي لدى المشاهدين، وتدفعهم للتواصل مع عمق الأعمال وتنشّط ليس فقط حاسة النظر، بل أيضًا عواطفهم وذكرياتهم.
إرم إغبارية، (ولدت سنة 2000)، لقب اول بالفنون الكلية الاكاديمية بيت بيرل
