مجموعة المتحف العربي للفنون أم الفحم

مجموعة المتحف العربي للفنون أم الفحم

القيّم: فريد أبو شقرة

فلو أجرينا حصادا لمجموعة الفنانين المشاركين في مجموعة مقتنيات المتحف لوجدنا أن ذاتيّة الفنان، فلسطينيّته وقوميّته العربيّة وتراثه تغلب في استهدافها أعمالهم، ولو كان بالترميز أو التلميح، أو من خلال سخرية سوداء، راصدين الثبوت، التحولات والتطورات التي مر بها الخطاب الثقافيّ والتشكيليّ الفلسطينيّ. وبما أن التشكيل أحد أدوات هذا الحوار فقد تبنى كل فنان هذه الأداة ليترجم، يعبر، يوثق، راصدا التحولات التي غذّت المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ، من تهجير شعب، انتفاضته وسياسته في طلب حقوقه على أرضه في الصالونات الدوليّة السياسيّة العالميّة. كيف يعرف ويترجم هذا المشهد أعمال التشكيلين الذين لا تخلو أعمالهم من شطحاتهم التاريخية منذ عام 1948 مرورا ب 1967، سنوات السبعينيات، أوسلو، الانتفاضتين، غزو غزة وجنين ونابلس ورام الله ووصولا إلى ثورات الربيع العربيّ التي فتحت فرصة أمام النخب الليبراليّة لتجذير الرؤى والأفكار الليبراليّة في الثقافة العربيّة المحليّة. فبعد انهيار النظم التسلطيّة، دخل المجتمع العربي في ديناميات جديدة لتحديد مسار تطوره السياسيّ والاجتماعيّ. حتى أصبح هنا جدل واقعيّ بين التيارات السياسيّة، ودخول الفاعلين في عملية تفاعل دينامي لإعادة بناء الاجتماع السياسيّ الوطنيّ مطالبين بالعدالة الاجتماعيّة وبالحريّة. كذلك الأمر في ثقافة الهزيمة التي بدأت تظهر منذ عام 1948. ثقافة الهزيمة التي شغلت منصبا هامًا وحيويّا في امتصاص وتخفيف صدمات المثقف في المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ. ثقافة الهزيمة التي تحولت الى ظاهرة قد فرزت لنا جيلا جديدا من التشكيليين والمثقفين العرب الذين تخرجوا وتبلورا من صيغ منظمة وأخرى ثوريّة نادت بالتغيير والخروج من روح الهزيمة والتبعيّة لإنقاذ المجتمع من الشلل والتفكك والنهوض من تحت الأطلال للعمل على الفكر والابداع. 

هذا الاحساس الغريب والمجنون الذي فرضته علينا السياسات، فمجموعة المتحف العربي للفن التشكيلي المعاصر في أم الفحم يقوم بفحص العالم الداخليّ للفنان من خلال اقتناء أعماله، فلسطينيا كان أو غير ذلك، في كيفية التعبير عن ذاته من خلال كل تلك التناقضات والمؤثرات التي ذكرناها، من خلال هذا العالم المتغير، المتصنع، غير المتزن، غير الواضح، غير المتوقع. حيث أحاسيس وأفكار الفنان لا تختلف عن مخاوف وهموم أي انسان كان فنانًا أو غير ذلك، شرقيّا أو غربيّا. إنها تنبع من هذه الأرض، من هذا المكان، من قلب الفنان وأحاسيسه هو.  حيث يترجم الأفكار إلى أعمال ذات لغة واسعة المفاهيم وصياغة اعتمدت على هذه العناصر التعبيريّة الرمزيّة التي ترافقها عناصر جماليّة تثير المتلقي، تاركة ذهنه في حالة اضطراب وفضول فيدخلانه في جدليّة الحدث المتراكم في أذهان من عاشوه. دخول الحدث إلى هيكليّة الأعمال في مجموعة المتحف يحتم علينا البحث عن آلية العلاقة بين الماضي والحاضر بصورة الاحتفاظ بمقومات الهوية ولإحداث حواريّة بين العين والشكل الجماليّ لتكون طرف آخر لخطاب آخر يرصد سيرة الذاكرة الفلسطينيّة المتوالدة من جيل الى جيل؟ داعيا كل الفنانين للوقوف مع روايتنا من خلال روايته هو وللدخول في آلية العلاقة بين الغيريين والمختلفين لإحداث خطاب ثقافي جديد يأتي بالخير الكثير للمنطقة. 

فهذه المجموعة وما تحتويه من أعمال فنيّة لفنانين مختلفي الهويات والجنسيات، تسعى إلى تشكيل محور ثقافيّ توثيقي رفيع المستوى يمكن المتحف من مخاطبة العالم ويمركزه في منصاته، لدعم وطرح مواضيع اجتماعية، سياسية وثقافية عجز كل مجتمع عن طرحها حتى تأخذ مقتنيات المتحف فرادة وتميز لتأتي بأطروحات جديدة تحكي حكاية ابن الريف وابن البلد في توثيق مأساته منذ بدايات القرن العشرين.