بين طيات الذاكره | نوجا شافيت

بين طيات الذاكره
حول أعمال نوجا شافيت

ارتبط الفن والحكاية ببعضهما منذ القدم. فكلاهما يسعى إلى منح شكلٍ لما يصعب تفسيره بالكامل: الخوف، والذاكرة، والرغبة، والألم، والأمل. في أعمال نوجا شافيت لا تشكّل الحكاية مجرد مصدر إلهام، بل فضاءً حيًّا للفعل والإبداع. فهي تتيح للفنانة أن تلامس الواقع من خلال الخيال، وأن تصوغ بواسطة الصور البصرية تجارب شخصية وجماعية يصعب التعبير عنها بالكلمات.

تتنقّل أعمال شافيت بين التصوير الفوتوغرافي والرسم والتدخلات المادية من حفر وخدش وتشويه. ويشكّل التصوير بالنسبة لها نقطة انطلاق فحسب؛ إذ تتدخل فيه، وتخدش سطحه، وتكشف طبقاته، وتمنحه بُعدًا جسديًا يكاد يكون ملموسًا. وتخلق هذه الممارسات إحساسًا بأن الذاكرة نفسها قد انطبعت في المادة، وكأن العمل يحمل على جسده آثار الزمن والتجربة.

تعمل الغابة والذئب واللون الأحمر والشخصية النسائية المتكررة في أعمالها كرموز مشحونة بالدلالات. وهي تبدو للوهلة الأولى مستعارة من عالم الحكايات، لكنها تتحول إلى لغة مركبة للتأمل في النفس الإنسانية. وفي قلب هذه اللغة تقف شخصية ذات الرداء الأحمر؛ لا بوصفها طفلة من قصة للأطفال، بل كشخصية رمزية تحمل معها الذكريات والصدمات والمخاوف. إنها تمضي في غابة هي في الوقت ذاته مكان واقعي وفضاء نفسي، ساحة للخطر ومجال لاكتشاف الذات.

أما الأحمر، وهو اللون المهيمن في العديد من الأعمال، فيؤدي دورًا مزدوجًا؛ فهو لون الحياة والحب، لكنه أيضًا لون الدم والجرح والإنذار. ومن خلاله تخلق شافيت توترًا دائمًا بين الجمال والتهديد، وبين الانجذاب والنفور، وبين التوق والخوف. وهكذا يتحول اللون إلى عنصر أساسي في منظومة المعاني التي تنسجها أعمالها.

في هذه الأعمال لا تؤدي الحكاية دور الملاذ من الواقع، بل تصبح أداة لمواجهته. فهي تتيح للفنانة إعادة صياغة تجارب الفقدان والقلق والذاكرة، ومنحها شكلًا بصريًا جديدًا. أما الصور التي تبتكرها فلا تقدم حلولًا أو حكايات مكتملة، بل تفتح فضاءً يُدعى فيه المتلقي إلى مواجهة ذكرياته ومخاوفه وأحلامه الخاصة.

إن العالم الذي ترسمه شافيت هو عالم من التناقضات: الجنة والجحيم، والهشاشة والقوة، والدمار والتجدد. ومن التوتر القائم بين هذه الأقطاب تنبثق لغة فنية شخصية، يصبح فيها الجرح ليس مجرد شاهد على الألم، بل أيضًا مدخلًا للتأمل والفهم والتغيير. وتدعونا أعمالها إلى التوقف عند تلك المساحات التي يلتقي فيها الواقع بالحكاية، وإلى التفكير في الكيفية التي يتيح لنا بها الخيال مواجهة ما يبدو أحيانًا عصيًّا على الاحتمال.


قيّم: فريد أبو شقرا