كود حاضرة غائبة | صوفي أبو شقرة
كود حاضرة غائبة |
صوفي أبو شقرة
في معرضها الفردي الأولى تتحدى صوفي أبو شقرة التعريفات التي تعيش وتعمل فيها: امرأة مبدعة، إسرائيليّة فلسطينيّة، معماريّة ومُصممة، ابنة لعائلة فنّانين مشهورين. في سلسلة من الأغراض الهجينة تخلط بين التكنولوجيات، المواد والتقاليد، تتساءل صوفي ما هي اللغة اللسانية، الثقافية، التخصصية والجنسانية، لمن وُلدت سنة 1996 ونساء مثلها. وهي تطرح وجهة نظر جديدة وأصيلة على طبقات مكشوفة ومخفية التي تبلور بنات جيلها.
تعود بداية العميلة المعروضة في المعرض إلى دراسة أجرتها صوفي في إطار برنامج دراسة لدرجة الماجستير في التصميم الصناعي في جامعة التخنيون. هناك درست معنى مفهوم الحرفة (كرافت) في عصر التكنولوجيا، مع إدراك اختفاء البشري من الحقل الصناعي. حيث بحثت عن طرق لدمج الحرفة التقليديّة مع البرمجة الرقميّة، من أجل حفظ المعرفة التاريخيّة وبصمة العمل اليدوي في الصناعة. ابتكرت صوفي كود رقمي لجهاز الفارزة (CNC)، الذي يسمح بالتعبير عن التعاون الحواري بين المُصممة والآلة. يفكك هذا الكود صور ثنائية الأبعاد ويترجمها إلى صور ثلاثية الأبعاد بواسطة تحليل وتحويل تدرجات لون الصور إلى عمق عملية تفريز المادة. أداة القطع تترك بصمتها في حركتها الدائرية التي لا تسمح بتشكيل الزوايا.
في اللقاء الذي شكلته صوفي بين الحرفة التقليديّة والبرمجة الرقميّة، اختارت ترميز مواد الثقافة التي تعرفها من أفراد عائلتها. قامت بشحن الفارزة بصور من التطريز الفلسطينيّ، التي تُشكّلها آلة القطع في جذع شجرة زيتون. التطريز وخشب الزيتون هي مواد مهيمنة في الثقافة والعمل اليدويّ الفلسطينيّ، ومشحونة بمفاهيم رمزية في أعمال فنّاني عائلة أبو شقرة. فلقد خلّد الفنّان المرحوم وليد أبو شقرة الرواية الفلسطينيّة عن طريق الاستعادة المثابرة لشجرة الزيتون في مطبوعاته؛ الفنّان فريد أبو شقرة يعود مرة تلو المرة إلى عملية التطريز في أعماله.
بواسطة الأغراض المعروضة في المعرض وفيلم الفيديو المرافق لها، تعمل صوفي على دراسة الأدوات الرقمية التي يستند إليها اليوم التصميم الصناعي، وهي تحددها كلغة معاصرة ولكن أيضًا كشكل من الغياب. الكود الرقمي غير متاح وغير مكشوف للجمهور. هو بمثابة شيفرة أو سر معروف فقط لمن برمجه. بصفته هذه فهو يذكرنا بمهارات المطرزات الفلسطينيّات، اللواتي غالبًا ما يستخدمن التطريز لنقل رسائل علنية أو سرية عن طريق فساتينهن. على غرار الكود الرقمي، أيضًا التطريز الفلسطينيّ يترجم الإشارات إلى معاني. فهو يستخدم الألوان والأشكال الثابتة للتعبير عن موقع جغرافيّ، مناسبة عائلة أو معتقد.
ترجمة التطريز الفلسطيني، في عملية التفريز في الخشب في الأغراض الهجينة التي انتجتها صوفي، تُشكّل طبقات من المعاني. تتحدى صوفي بذلك الفجوة بين تقاليد المادة المحلية والتكنولوجيا العالمية وتقوم أيضًا بتقويض التقسيمات الجنسانية. فهي تستدخل أعمال التطريز النسائي داخل عملية التفريز الرجولية. وتقوم بذلك بتشويش التقسيم المألوف للعمل، وتحوله إلى حواز متعدد الأصوات.
تحويل التطريز إلى كود رقمي يعكس موقف المُصممة المعقد بخصوص التقاليد الفلسطينيّة ومكانة المرأة. يتحول التطريز من صورة مسطحة إلى قالب عميق، حيّز مُخترق، شبه معماري، إلى غياب. وفي التكوين الجديد تُعبّر عن تضاريس مزدوجة المعاني، تشير في الوقت نفسه إلى ما هو موجود وما هو غير موجود. وهي تتحول إلى كود مخفي، يكشف ويخفي المنظر، الهويّة، التقاليد واليد المخفية لصاحبة الحرفة. يتم التأكيد على الحضور الغائب بواسطة غمر جذع الشجرة بمادة الإيبوكسي. الغياب هو المادة. شفافة، سميكة، مائية. وهي نفاذة دائمة إلى ماضي تحت الأرض، حيّز عتبي يربط بين المعرفة التي تنتقل عير الأجيال ومعرفة متغيرة عابرة.
القيّمة: طال فرنكل آلروئي
