After Party

يحمل الاسم الذي اختارته شمس هوّاري زعبي لمعرضها الأوّل في صالة العرض في المركز الثّقافي على اسم محمود درويش في النّاصرة, After Party دلالات كثيرة ومثيرة, على ظاهرها وباطنها. بعض هذه الدّلالات يكمن في الاسم نفسه والبعض الآخر أفصحت عنه شمس بواسطة استعمالات بصريّة تابعة لحياتها-حياتنا اليوميّة وتاريخ تنضح ذاكرته بالكثير من القصص والرّموز. في الدّلالة الأولى والتي تنبع  من الاسم نفسه, نرى إشارة واضحة إلى لحظة “الما بعد”, هذه اللحظة التي تشغل أذهاننا وقلوبنا ونحن نترقّبها ونجهل إلى أيّ أفق ستلوح بنا. لحظة تتحوّل “بلحظة” لمؤثّرة ومفصليّة في حياتنا إذ تقلبها رأسًا على عقب وتؤسِّس إلى ما سوف نكون من بعدها. 

 تبدو الرّموز التي نراها أمامنا للوهلة الأولى, عاديّة وبسيطة ولكنّها في الحقيقة مركّبة وتحمل في طيّاتها الكثير من الشّحنات الشّعوريّة الممتدّة من جذور تجربة وجوديّة وإنسانيّة وثقافيّة  وسياسيّة واجتماعيّة ووجدانيّة. 

يحتوي معرض هوّاري زعبي على مجموعتين من الأعمال التي عملت عليها بالتّوازي, في إحداها تأخذ الماعز السّوداء التي منع الاحتلال تربيتها ليتمكّن من تغيير جغرافيا المكان أملا منه بالاستحواذ على الذاكرة العصيّة عليه, مكانًا أساسيًّا بلوحات مركّبة من قطع قماش جمعتها وطلتها بالغراء في محاولة لجمع الشّظايا وأمل يصارع الفقدان. في المجموعة الثانية نرى بقايا بيت وقد زيّنت شبابيكه يومًا ورودًا حيّة بألوانها البهيّة وطيف صور عائليّة لم تعد بعد.

تستخدم شمس في فنّها بقايا القماش بصورته الأوليّة غير المنمّقة, قصاصات قماش مليئة بالبقع التي هي أثر لفعل الزّمن الخارج عن سيطرة الفنّانة بجزء منها, في حين تضيف هي بدورها إليها بقع بمواد طبيعيّة كالفاكهة والزّيت والقهوة والبهارات, وكأنها طفلة تلعب “بالحارة” وللتوّ اتّسخت ملابسها دون انتباه من “شقاوة زاد عيارها عن حدّه”, نرى فيها رسومات تعتمد صور من ألبومها الشّخصي من الماضي الجميل وصور من التّاريخ الفلسطيني لتؤكد التّرابط العميق بين الشّخصي والجمعي (collective).

كما وتستخدم مادّة الكلور التي يكمن جوهر فعلها بحياتنا اليوميّة محو البقع والتّنظيف “والتّطهير” من أوساخ غير مرغوب بها أتى بها الزمن. تتلاعب شمس في رسومها بين فعل “التّوسيخ” “والتّطهير” وتبني أمامنا مجموعة من الرّسومات التي يصعب نسبها إلى جانر معيّن في الفن التشكيلي المعاصر ولكن نجد جذوره في الفن الحديث وما بعد الحديث من بدايات القرن الماضي عندما خرج الفنّانون عن إطار المألوف واستعمالات أقلام الرّصاص, الجرافيت والفحم, والألوان المائية والزيتيّة والأكريليك وما إلى ذلك من المواد التي رافقت الفنّ التّشكيلي منذ عصور مضت. لقد مكّن هذا الخروج عن الإطار وفتْح الطّريق أمام موادّ يوميّة, من تقريب الفن إلى الحياة في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بينهما. 

 يكشف After Party  أمامنا لغة فنّية مميّزة من بداية الطّريق ويجعلنا نسأل الكثير من الأسئلة عن الفن وفضاءاته الرّحبة وما بمقدوره  أن يكون.

القيّمة:  فريد أبو شقرة