ذكريات غير مدوّنة

في العرض الذي أمامكم، الذي يُعرَض في صالة العرض في أم الفحم، مجموعة أعمال فنيّة تميّز المسيرة الفنية لصالح القرا، الممتدة على سنوات طويلة. ليست الأشياء المرسومة موجودةً على أرض الواقع، بل في ذاكرة الفنّان فقط. إنها ذكريات الطفولة والحياة على جبل الكرمل. لذلك اخترتُ الاسم “ذكريات غير مدوّنة” لهذا العرض.

أطلتُ التفكير أثناء الإعداد للعرض سعيًا إلى العثور على المميّزات الخاصة لأعمال القرا. أتراه يتميّز بالزخارف الشرقية – العربية في رسمه، أم إنّ هناك طيفًا معيّنًا من الألوان يميّزه؟ لم أعثر على أمر يميّز رسوم صالح القرا عن رسوم أيّ رسام آخر. لكنّ المميّز، كما أسلفتُ الذّكر، هو مجمل الأغراض التي تحتويها رسومه.

الذاكرة مُراوِغة، فهي تتشكّل لبنة لبنة، على مرّ سنوات طويلة. ومع الوقت لا تعود ملتزمة بالضرورة بالواقع الذي يعيشه صاحبها. فالزمن يجمّل الذكريات أحيانًا، منقّيًا إيّاها من الشوائب، فيما يحوّلها في أحيانٍ أخرى إلى عذابٍ لا يفهمه حتى صاحب الذكريات. وفي أحيانٍ أخرى تمّحي الذكريات دون أن تترك أيّ أثر. أمّا صالح القرّا فيبقي ذكرياته حيّة حين يصوغها رسمًا. 

حين يصوّر لنا منظرًا طبيعيّا، لا يكون هذا المنظر موجودًا في الحقيقة، ولا يمكن الإشارة إلى مكانه الدقيق. لكنّ هذا المشهد المُتذكَّر هو جزء من حياة بأكملها مرتبطة بوقت، تجربة حياتية، طقس، واستعدادٍ لدى الفنّان لكشف النقاب عن ذكرياته الدفينة أمام المُشاهدين. 

يقطع صالح القرا العلاقة بين ما تراه العين وبين ما يُقال عمّا يُرى. فحين يرسم المنظر من جبل الكرمل أو مشهدًا لجدار مع أصص زهور، يشكّك في حقائق مُطلَقة ويعرض مفهوم المشهد والأصيص. 

إذًا، ما علينا كمتفرّجين سوى التفاعل مع أحلام الفنّان، ناظرين إلى الرسمة القماشية كقصة لا كصورة. فلنتِح لمخيّلتنا أن تشطح لتتلاقح مع مخيّلة الفنّان وذاكرته.

القيّم على العرض: مئير اهرونسون