لحظة قبل -
لحظة واحدة

تتلمس نوعمي زاخ طريقها نحو فهم الحدث، ترسباته، والبحث عن أجوبة للكثير من الاسئلة والتأويل ومن ثم التصعد فوق غرائز البقاء. النقاش الذي يحدثه هذا المعرض هو: كيف تنظر الحداثة الى الماضي وكيف تتعامل معه؟ كيف تتيح المجال للمتلقي للدخول الى هذا النقاش دونما حرج أو تراجع. الحرج من جهة واحدة والأعمال المفعمة بالجمال من جهة أخرى. هذا ” البرادوكس ” أظنه برادوكسا حيويا ومطلوبا لإحداث التناقض بين الواضح وغير المفهوم، بين الظاهر والباطن، بين الحاضر والماضي، ولوضع الناظر في حالة استخلاص خلاصة الاتجاهات الثلاثة، الانساني، التاريخي والمهني الفني، ليلائمها مع وضعه هو كمشاهد محاولا تكوين علاقة تعامل وتفاعل ولخلق تعبيرات تمتع العين أو ترضي الحواس أو “تفش الخلق” أو تفتح آفاقاً للتفكير (وهو ذلك كله). ولكن للمعرض أيضاً صياغات فردية واستجابات ذاتية لهموم جمعية وأسئلة قلقة وحائرة يتشارك فيها الأفراد، والفنانون والمثقفون يتأولونها، كل على طريقته ووفق منظوره الخاص، ولكن تأثيرها الجمعي ربما يفوق في مداه حدود وطن الفنانة وثقافتها لكي تلامس الهوية الإنسانية، لتغور عميقاً في تلافيف الذاكرة ومقاومة النسيان وفضح الغرائز. 

يحمل المعرض ايقاعات فنية نشاهدها من خلال الكتل والمساحات التي هي بالأساس مكونة من وحدات فنية متعددة اللغات، كالعمل المركب في منتصف الصالة تحت عنوان “ستائر “، وثلاثة أعمال فيديو، الأول تحت عنوان ” حقل معلق ” والثاني تحت عنوان “؟؟؟؟؟ ” والثالث بمثابة عصفورة مغردة تنسج عشها، يعرض العمل على الأرض بداخل كومة من الأشواك، حاملا بين طياته نوعا من التزه، التصوف والانفرادية.

يجري الحديث عن التصوف كنشاط روحي يجمع بين أطراف الفن ولمحات الجمال، حيث اتحاد الذات بالموضوع، وحيث فيها تقوم الإشراقات مقام التصورات والأحكام في المنطق العقلي، وحيث فيها المعرفة معيشة وجدانية تغمر صاحبها بشعور عارم بقوى تضرم فيه وتغمره كفيض من النور، حيث تصحب هذه الأحوال، أحيانا، ظواهر غير عادية، كالرؤى والإحساس بخبرات ومواجيد ومقامات؛ فالبعد الوجداني للفن هو أحد أهم ملامح التشابه البنيوي مع التصوف؛ إذ إن الفن تجربة شبه دينيه، شخصية ووجدانية تجري خارج نطاق الحواسّ؛ فلا تقيّدها قيود الواقع وقيود المنطق. 

تقترح علينا الفنانة عملا تركيبيا، تكونه وتركبه في مركز الصالة. لا نستطيع أن نمر عليه بصورة عابرة ومرور الكرام، يحتم علينا أن نقف عنده ونحدق بتفاصيله وكيفية تكوينه ووضعه في الصالة باحثين عن المواد والخامات التي يتكون منها العمل، مفكرين بمضامينه في التعبير عن كونه تكوينا كمفهوم حين يجتمع المضمون ويتقارب برأي وفكرة الفنانة. وحينما نتطرق الى التكوين كدراسة مستفيضة للفنانة لابد لنا أن نقف عند ما قد أسلفنا في بداية النص حتى نعطي هذا الموضوع المهم حقه.

 التطرف، وليس التشعب عن المعنى الأساسي للتكوين، حيث تشتق كلمة التكوين من كون يكون تكوينا ، و كينونة الشيء صورته، وجمعه تكاوين الصورة والهيئة. ليصبح عمل الفنانة قائما بحد ذاته مدروسا محاكيا الأعمال المعروضة في المعرض.

من هذا المنطلق أو من هذا التعريف للمعرض  ولما تقترحه علينا نوعمي زاخ في المعرض نجد أن القيمة الجمالية في التكوين تزداد، وتتسع بوحدة الأشكال بحيث تصبح أكثر جمالأ حتى تصل الى المتلقي بكل سلاسة، وهذه العملية لا يمكن ان تتم إلى عبر خصائص معينة ينبغي توفرها في الأعمال الفنية، إذ أن عملية الوقوع في الشرك الجمالي للتكوين ليست عملية عشوائية، أو أنها تحدث فجأة وإنما هنالك مراحل تجتازها العين البشرية للوصول إلى ذلك المدرك الجمالي في التكوين، انه عمل شاق من قبل الفنانة، يتطور من خلال بناء سيرورة عمل وبرنامج مدروس لتركيب الأفكار لبنة لبنه ليساعد على الفهم، بل على العكس من ذلك نجد أن هنالك تكوينات مركبة تجعل من العمل الفني مجموعة طلاسم يتعذر على المتلقي فهمها وذلك لانعدام مراحل بناء العمل بدءا بالفكرة وصولا بالتنفيذ والانتهاء بعرض العمل واخراجه للنور حسب الأصول.

 تتجلى وحدة الأعمال الفنية المعروضة بالاستخدام المناسب في العمل التركيبي في منتصف الصالة، الصور، عمل الفيديو وكيفية توظيف الكتلة في الفراغ والأضواء والظلال، اذ تتشكل كل هذه العناصر مع كل فنان بحسب منهجه، ثقافته ومدى الجدية والمثابرة والمهنية لإنجاز مثل هذا المشروع.

القيّمة:  فريد أبو شقرة